يوسف المرعشلي

1114

نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر

التلمساني ؛ ولازمه حتى توفي ، فلازم ابنه الشيخ أحمد حتى توفي أيضا ، وحجّ معه ، وكان يتردّد معه إليه الشيخ عبده الشربجي ، إمام وخطيب جامع الباشورة بحيّ الشاغور . ولع بالأدب والتاريخ ولمّا يبلغ الخامسة عشرة ، وله شعر لطيف . كما وأتقن اللغة التركية . عرف بأخلاقه الفاضلة ، حلو المعاشرة ، لطيف الحديث ، خفيف الروح ذو دعابة وإيناس ، يحب أهله ويوجههم إلى الخير ، يصل أقاربه ويواصل أصدقاءه ؛ فيدعوهم إلى بيته ويزورهم ، وقد يرتاد معهم المتنزهات ، ويسعى لهم بالخير ، ويرى لهم عليه حقا واجبا ، ومن أصدقائه المقربين إليه : الشيخ حامد التقي ، والشيخ عبد الحميد كريّم ؛ صاحب المدرسة العلمية في حي العقيبة . حليم بشوش ، لا يغضب إلا للّه تعالى ؛ ذكر الأستاذ حسني كنعان في مجلة التمدن الإسلامي أنه كان لا يجامل أحدا من الكتّاب الذين يتعرضون لما يخالف عقيدته ، ولو كان المتعرّض أعزّ أصدقائه . وضرب مثلا على ذلك أن صديقا له نشر مقالا قال فيه : إن الإسراء كان بالروح فقط ، فردّ عليه بحزم ، وبيّن الفتوى ، وكتب مقالا ، ولم يقبل منه هذا الصديق ، فكانت قطيعة بينهما للأبد . لازم المحاكم الشرعية بدمشق صغيرا منذ سنة 1313 ه ، مقيّدا في محكمة البزورية ، ثم كاتبا في محكمة العمارة ، ثم في محكمة الباب حتى سنة 1327 ه ، حينما عيّن كاتبا في دائرة الإجراء ، ثم في محكمة الحقوق ، ثم في محكمة الصلح ، ثم معاونا لمأمور الإجراء بدمشق ، ثم معاونا للحاكم المنفرد في دوما ، ثم عضوا في محكمة حماة حتى سنة 1337 ه ، حينما عيّن نائبا حنبليا ، ثم رئيس كتّاب في محكمة دمشق الشرعية حتى سنة 1348 ه . وفي هذه السنة نفسها انتخب مفتيا حنبليا لمدينة دمشق ، بالإضافة إلى إمامة الحنابلة في الجامع الأموي التي قام بها منذ سنة 1334 ه ، وجمع إلى ذلك منذ سنة 1352 ه خطابة جامع الباذرائية في حي العمارة . وبقي على هذه الوظائف الثلاث الأخيرة حتى وفاته . وكان غالب نشاطه العلمي في جامع الباذرائية ، وهو المتولي عليه من الأوقاف « 1 » ؛ هذا الجامع الذي يعد في عهده مدرسة شرعية غير نظامية يقصدها الطلاب ، وهو الذي يدير أمرهم ، ويحصيهم ؛ ويتابع قضاياهم ، يراقب دخولهم وخروجهم وسلوكهم ، ويكتب عنهم ، وخصوصا المذنبين منهم إلى وزارة الأوقاف ، ويوافيها بعددهم كل حين من انتسب حديثا ومن غادر ، وكان يشترط على طالب العلم أن يكون غير متزوج ؛ فيعطيه غرفة في المدرسة ينام فيها ويدرس ، وقد يشغل الغرفة الواحدة طالبان أو أكثر . لم يكن التلاميذ يحصلون على رواتب ، ولا على أقوات وأرزاق عينية ، وإنما يجلبون زادهم البسيط من قراهم يتقوتون به ، وكان بعضهم ينال قسطا من أطعمة توزع من أوقاف وجرايات قديمة كالحساء الذي يوزع في تكية السلطان سليم ، وتكية جامع الشيخ محيي الدين . ولما كان المترجم حنبلي المذهب فقد كان يقصد مدرسته هذه الطلاب الحنابلة ، وخصوصا من بلدة الضمير والرحيبة « 2 » ودوما ، ونابلس ، والمدن التي تقلد مذهب الإمام أحمد رضي اللّه عنه . وإلى جانب إشرافه على المدرسة ؛ وقيامه بالخطابة فيها فقد كان يلقي فيها دروسا كثيرة غالبها في الفقه الحنبلي ، وعلم الفرائض ، وعلوم اللغة العربية . وبرع كثيرا بعلم الفرائض والمناسخات حتى لقد كانت تستعين به وزارة الأوقاف والمحاكم في كثير من المرات ، فترسل إليه الحجج الشرعية ، والسجلات التي تتضمن إشكالات في الميراث ، فيعطي رأي الشرع ، ويبين حق كل وريث بدقة ووضوح . اهتم بالتأليف صغيرا ، فكتب سنة 1317 ه رسالة « الضياء الموفور في تراجم بني فرفور » ثم توالت تآليفه .

--> ( 1 ) قبل أن تتولى وزارة الأوقاف الإشراف بنفسها على المساجد كانت توكل أمور كل مسجد إلى رجل يسمى ( المتولي ) يقوم على شؤون المسجد وأوقافه ، ويدبر أموره ، ويرفع في ذلك تقاريره إلى المسؤولين . ( 2 ) الضمير والرحيبة : تقعان شمالي دمشق بنحو 40 كم تقريبا .